عبد الملك الجويني

57

نهاية المطلب في دراية المذهب

فمن لم يمنع التأقيتَ ، لم يمنع هذا ، ومن منع التأقيتَ على صيغة إعلام الوقت اختلفوا في هذا ، وسبب الاختلاف ما روي : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل الكتاب في جزيرة العرب : أقركم ما أقرّكم الله " ( 1 ) والوجه منعُ هذا منا إذا منعنا التأقيت ، وحملُ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على توقع النسخ ، وكانت جملة الأحكام القابلة للنسخ في زمنه على التردد من جهة إمكان النسخ ، وهذا لا يتحقق من غيره . ولو قال في عقد الذمة : أقركم ما شئتم ، فهذا جائز لا منع فيه ؛ فإنه مقتضى العقد ؛ فلأهل الذمة المشيئة في نبذ العهد إلينا متى شاؤوا ، فالتفويض إلى مشيئتهم تصريحٌ بموجب العقد . 11481 - ولو عقد الإمام لهم الذمة ، ثم رابه منهم أمر لو ظهر في الابتداء ، لما عقد الذمةَ ، ولكن لم يتحقق ، فهل له أن ينبذ العهد إليهم والحالة هذه ؟ ذكر المحققون وجهين : أحدهما - أنه يجوز بل يجب كما تجب رعاية ذلك في الابتداء . والثاني - لا يجوز ؛ فإن الذمة إذا لزمت ، بَعُدَ [ أن ] ( 2 ) نجوّز الهجوم على نقضها من غير ثبت . وهذا عندي فيه إذا كان الأمر المحذور مما يمكن تداركه ، فأما إذا كان يتوقع أمر يعظم أثره ، ويخاف منه ما يبعد تداركه ، فيجب القطع بنبذ العهد إليهم في الدوام ، وهذا بيّن في حكم الإيالة . 11482 - ولو عقد الإمام ذمةً على الفساد وذكر الجزية ، فمن مقتضى الفساد في الذمة ما قدمناه من أنه لا يلزمه الوفاء ، قال الأئمة : إذا لم يصح عقد الذمة ، فلا تثبت الذمة المسمّاة ، وإنما الرجوع إلى دينار على كل حالم في السنة ، حتى لو بقوا على

--> ( 1 ) حديث " أقرّكم ما أقرَّكم الله " رواه البخاري من حديث ابن عمر ، ومالك في الموطأ عن ابن المسيب ( ر . البخاري : الحرث والمزارعة ، باب إذا قال رب الأرض : أقرك ما أقرك الله ، ح 2338 . وكتاب الشروط ، باب إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجتك ، ح 2730 . الموطأ : 2 / 703 . التلخيص 4 / 225 ح 2302 ) . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق حيث سقطت من النسختين .